رؤية جديدة السودان

✍ عمار العركي : السودان في القرن الأفريقي ؛ إستعادة الدور ومواجهة النفوذ الاماراتي

-

1. الزيارة التي قام بها مدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول/ أحمد إبراهيم مفضل إلى مقديشو، برفقة رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية الفريق ركن محمد علي صبير، لم تكن حدثًا عابرًا، بل جاءت في قلب معركة إقليمية تدور منذ سنوات بين مشروع الاستقرار الذي تتبناه دول بعينها، ومشروع الفوضى الذي تموله وتديره "أبوظبي" عبر أدواتها في "بونتـلاند وليبيـا ودارفــور".

2. القاعدة الإماراتية في "بوصاصو" لم تُعد مجرد موطئ قدم عسكري وحضور فـي الصومال ، بل تحولت إلى مركز إمداد رئيسي للحرب في السودان، تُخزن فيها الأسلحة وتُدرَّب المرتزقة قبل أن يُدفع بهم عبر ليبيا إلى دارفور وكردفان . هذه العقدة تمثل التهديد الأخطر لأمن السودان القومي، وهو ما يُفسر أن الزيارة حملت طابعًا استخباريًا وعسكريًا صريحًا، بهدف تعزيز التنسيق مع مقديشو ووضع خطة عمل مشتركة لمواجهة هذا الخطر.

3. اللافت أن "أبوظبي" لم تنتظر طويلًا للرد. بعد يوم واحد من لقاء "مفضل" بالرئيس "حسن شيخ محمود"، ظهر في مقديشو "شخبوط بن نهيان"، وزير الدولة المكلف بالملف الإفريقي والسوداني، في زيارة غير معلنة. وبالتوازي، كان أمين المجلس الأعلى للأمن الوطني الإماراتي "علي الشامسي" يجتمع "بخليفة حفتر" في بنغازي، ما يكشف القلق الإماراتي من التحرك السوداني وسعيها لإعادة الإمساك بخيوط مشروعها الممتد من "بونتلاند" إلى "ليبيا".

4. التاريخ يوضح أن المشكلة في السودان كانت أعمق. "الإنقاذ" في أواخر أيامها تخلّت عن إدارة ملفات القرن الإفريقي- خصوصًا الصومال و جيبوتي - بالمنظور الاستراتيجي الذي كان قائمًا من قبل. في وقت سابق كان يُنظر لجيبوتي والصومال كـ خط دفاع خلفي ضد أي تهديد محتمل من إثيوبيا أو إريتريا، حتى في ظل هدوء الفشقة وتحسن العلاقة مع إثيوبيا، وكان التقدير أن سد النهضة سيخلق إشكالات مستقبلية، لذا كان لابد من تأمين "الجوار البعيد" كعمق استراتيجي.

5. بعد 2017–2018، بدأ الانسحاب من الساحة بسبب الضغط والابتزاز الإماراتي، ما أدى إلى إقصاء السودان من ملفات محورية مثل: المصالحة الإثيوبية –الإريترية ، التحالف الاقتصادي الإقليمي (إثيوبيا – إريتريا – الصومال – جيبوتي ) الذي تأسس في "منتدى تانا" ببحر دار 2018. كل ذلك تم بتدبير من "أبوظبي" التي عملت على إخراج السودان من المعادلة لتستفرد بالساحة وتحقق مصالحها عبر وكلائها، تاركة فراغًا ملأته الإمارات.

6. صحيح أن السودان لم يقدم مشروعًا خارجيًا فاعلًا في السنوات الأخيرة، لكن ذلك لم يكن "خيارًا طبيعيًا" بل نتيجة تخلي قسري وضغوط إماراتية. قبل 2018، السودان كان حاضرًا في ملفات القرن الإفريقي، وكان يُنظر للصومال وجيبوتي كجزء من أمنه القومي الممتد. ما يجري اليوم، مثل زيارة مفضل لمقديشو، يمثل استدراكًا وتصحيحًا لمسار الماضي واستعادة الدور الذي تم التنازل عنه.

7. في المقابل، الخرطوم لا تتحرك وحدها "تركيا" تدفع باتجاه بناء أكبر تحالف في القرن الإفريقي لمواجهة النفوذ الإماراتي، بدءًا من قواعدها في مقديشو، مرورًا بخطط الحضور في "سواكن" و "لاسقُري" الموالية لمقديشو، وصولًا إلى حماية البحر الأحمر من القرصنة وتهريب السلاح و المخدرات. إلى جانب ذلك، تنسق "القاهرة" مع مقديشو لانتزاع منطقة "جيدو" من "جوبالاند" المدعومة إثيوبيًا ، في خطوة من شأنها تقليص نفوذ أديس أبابا وحليفها الأوثق أبوظبي.

8. هذا التقاطع يفتح الباب أمام محور جديد: "السودان – الصومال – تركيا"، مع إمكانية انضمام "مصر وإريتريا" لاحقًا، ما يعيد رسم موازين القوة في القرن الإفريقي، ويضع حدًا للتفرد الإماراتي، ويقطع خطوط الإمداد التي غذت حرب السودان عبر بوصاصو.

9. بالنسبة "للخرطوم"، الهدف المباشر هو تجفيف منابع الدعم للمليشيا المتمردة، وبناء إطار دائم للتنسيق الأمني والاستخباري مع مقديشو. أما الصومال، فالمكسب يكمن في الاستفادة من خبرات الجيش السوداني في مواجهة التمردات وحرب المدن، بما يساعد على تثبيت الاستقرار وضبط الأمن الداخلي. بالنسبة للإقليم، نجاح هذا المسار يعني تأمين البحر الأحمر من التوترات وكسر الحلقة التي أحاطتها الإمارات عبر بونتلاند وجوبالاند وحفتر وإثيوبيا.

10. الزيارة إذن تعبر عن تحول جوهري، فالسودان لم يعد يكتفي برد الفعل، بل بات يصنع الفعل عبر بناء التحالفات وتحريك المعادلات الإقليمية. في المقابل، تجد أبوظبي نفسها اليوم في موقع الدفاع، تركض لإطفاء الحرائق التي أشعلتها سياساتها ذاتها، بينما الخرطوم بدأت تستعيد دورها الاستراتيجي في القرن الإفريقي.

*_خــلاصــة الـقــول ومنتهــاه:_*

• خطوة الزيارة الأخيرة تُقرأ فى إتجاه تصحيح مسار الاستراتيجية المفقودة، واستعادة الدور الذي ضاع نتيجة التراجع تحت الضغط الإماراتي.

• التنسيق مع مقديشو وإمكان توسيع المحور ليشمل تركيا ومصر وحتى إريتريا، يخلق فرصة حقيقية لتأمين البحر الأحمر وفرض توازنات إقليمية جديدة تصب في مصلحة السودان وأمنه القومي، وتقطع الطريق أمام أي مشاريع خارجية تهدف إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.