رؤية جديدة السودان

✍ د. طارق عشيري : همسة وطنية ؛ السلاح وحده لايحمي الأوطان

-

حرب الكرامة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت مرآة عكست عمق أزمتنا الوطنية، وأظهرت بوضوح حجم الفجوة في التربية الوطنية بين أبناء السودان. فحين غابت قيم الانتماء، وتلاشت روح المسؤولية، وارتفعت رايات الولاء الضيق على حساب الولاء للوطن، انكشفت الحقيقة المرة: أننا فقدنا التربية الوطنية التي كانت من المفترض أن تحمي وحدتنا وتحصن مجتمعنا ضد الانقسام. لقد كشفت الحرب أن حب الوطن لم يعد ممارسة يومية في السلوك، وإنما تحول عند البعض إلى مجرد كلمات، وهو ما يستوجب مراجعة جذرية تعيد للتربية الوطنية مكانتها في بناء الإنسان السوداني.

حرب الكرامة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل مثلت اختباراً قاسياً لقيم المجتمع السوداني، وكشفت عن غياب واضح للتربية الوطنية في سلوك ومواقف كثير من الأفراد. فحين تراجع الانتماء للوطن أمام الولاءات الضيقة القبلية أو الجهوية أو الشخصية، بدا جلياً أننا أهملنا عبر عقود طويلة أهم ركيزة لبناء الدولة: غرس الوطنية في النفوس.

التربية الوطنية هي التي تصنع المواطن المسؤول عن وطنه، وتجعل الولاء للسودان فوق كل اعتبار. لكن الحرب أظهرت أن هذه القيم لم تُرسَّخ كما ينبغي، حيث انقسم المجتمع، وارتفعت الأصوات التي تقدّم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. فقد غابت عن كثير من الناس فكرة أن الوطن هو البيت الكبير الذي يجمع الجميع، وأن حمايته واجب يتجاوز الانتماءات الضيقة.

فقدان التربية الوطنية في حرب الكرامة لم يقتصر على انقسام المواقف فقط، بل أدى إلى انهيار الثقة بين أبناء الوطن الواحد، وإلى انتشار خطابات الكراهية، وضعف الإحساس بالمسؤولية تجاه الممتلكات العامة، بل وحتى تجاه حياة المدنيين. وهذه مظاهر خطيرة تهدد النسيج الاجتماعي وتعرقل أي مسار نحو الاستقرار.

الخلل يكمن في عدة محاور:

الأسرة التي لم تعد تهتم بزرع قيم حب الوطن في أبنائها كما في السابق.

المناهج التعليمية التي تجاهلت التربية الوطنية أو حصرتها في شعارات جوفاء.

الإعلام الذي غرق في الصراعات السياسية بدلاً من أن يكون منبراً لترسيخ الانتماء.

القدوة، حيث فقد الشباب نماذج وطنية صادقة تلهب فيهم روح التضحية.

طريق الاستعادة

إذا أردنا أن نخرج من هذه الأزمة، فلا بد من إعادة الاعتبار للتربية الوطنية. وهذا يتطلب:

. مراجعة المناهج لتشمل تاريخ السودان وقيمه بأسلوب يزرع الاعتزاز والولاء.

. إطلاق حملات إعلامية وثقافية تركز على الوحدة الوطنية.

. دعم المبادرات الشبابية والمجتمعية التي تعزز العمل المشترك.

. تقديم القدوة الوطنية الصادقة في القيادة والسياسة والمجتمع.

لقد أظهرت حرب الكرامة أن السلاح وحده لا يحمي الأوطان، وإنما يحميها أبناء يحملون في قلوبهم حباً صادقاً لها. وإن لم نستعد التربية الوطنية في نفوسنا، فلن يكون هناك سلام حقيقي ولا نهضة راسخة. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في جبهات القتال، بل في العقول والقلوب، حيث يتجدد الانتماء وتنهض الأوطان.