رؤية جديدة السودان

رؤية جديدة السودان

قناة رؤية جديدة
أهم الأخبار

✍ د. ماجد السر عثمان : مراسي ؛ الخرطوم تشرق من تحت الرماد (17)

اتصلت عليَّ صغيرتي آية تسألني: "أبي، لماذا توقفت عن كتابة المراسي؟"

ولأنها الأقرب إلى القلب، هزّ سؤالها أوتار الحزن في داخلي، فآية لم تسأل عن مقالات، بل سألت عن نبضي.

كتبتُ بعد عودتي إلى الخرطوم لأن فرحة التحرير كانت تفيض في داخلي، فرحة العودة رغم الجراح، فانبثقت منها سلسلة مقالات حملت عنوان: "الخرطوم تشرق من تحت الرماد"، تجاوزت ستة عشر مقالا. لكن الآن، وبعد أن قاربت عودتي الثلاثة شهور، أجدني محدود الحركة، ضيق الأفق، وما أفعله لا يبلغ الطموح.

يا آية، الخرطوم مدمّرة، لكن الطموح أكبر.

المؤامرة عظيمة، لكن عزيمتنا أعظم.

العدو ماكر شديد، لكن الله أكبر من كل مكائدهم.

ستعود الخرطوم صغيرتي… ستعود لياليها وصباحاتها. ستعود مدارسها بمشاوير الصباح، والأغنية التي تخرج من مسجل العربة، فنردد معها قصة شاعر وملحن وحكاية وطن.

هل تذكرين يا آية حين كنا نطوف على معالم الخرطوم؟ جسورها المعلقة، شوارعها العتيقة، وضفافها الستة المتعرجة كأنها أذرع أمّ تحتضن أبناءها. ثم نختم الرحلة بمشاغلة ديدبان الحرس الجمهوري، فتردون عليه التحية بضحكاتكم البريئة، فيطرق سلاحه بالأرض في حركة عسكرية تزيدكم نشوة وفرحاً لا تسعها الدنيا.

وكيف ننسى شواء السمك على شاطئ النيل الأبيض بجبل أولياء؟ وكيف ننسى مسير العصر إلى ضفاف الأزرق المتدفق عند شواطئ الجريف غرب؟ أما ملتقى النيلين عند المقرن، فسيكون حضني لكِ حين ألقاك في الخرطوم...

يا آية، هذا حزن المراسي...

يؤلمني عجز القادرين عن التمام، ولكن الأمل يظل أكبر من كل الدمار. سيشرق الفجر من جديد، وستكبر أحلامنا مع الخرطوم وهي تنهض من تحت الرماد.